ابن يعقوب المغربي

362

مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح

فمن حيث رعاية تلك المناسبة التي لا يتفطن لها إلا البليغ يكون بيانيا فليفهم . ثم سبب التقوى في الجملة الخبرية التي هي غير السببية ، كقولك : زيد قام - على ما ذكره صاحب المفتاح - هو أن المبتدأ لكونه مبتدأ ، أي : جيء به ليخبر عنه بمنسوب إليه يستدعى أن ينسب إليه شيء ، وإلا لم يكن مسوقا ليخبر عنه ، فلا يكون مبتدأ ، فإذا جاء بعده ما يصلح أن يسند إلى ذلك المبتدأ صرفه ذلك المبتدأ إلى نفسه من حيث اقتضاؤه ما يسند إليه سواء كان ذلك الصالح خاليا من الضمير كقولك : التمساح حيوان ، أو متضمنا له كقولك : زيد ضارب ، فينعقد بينهما أي : بين المبتدأ والصالح لأن ينسب إليه حكم أي : ثبوت الثاني للأول ، واتصاف الأول بالثاني اتصافا معنويا ، ثم إذا كان الثاني متضمنا لضمير الأول المعتد به ، وكون ضميره معتدا به يحصل بأن لا يكون الثاني شبيها بالخالى عن الضمير ؛ لكونه مشتقا كما تقدم من أنه يشبه الخالي في عدم تغيره في الخطاب والغيبة والتكلم ، كقولك : زيد قائم ، وأنت قائم ، وأنا قائم ، كما تقول : زيد إنسان ، وأنا إنسان ، وأنت إنسان ، بخلاف الفعل ، صرفه أي : إذا كان الثاني متضمنا للضمير على الوجه المذكور صرفه ذلك الضمير إلى المبتدأ ثانيا ، فيكتسى الحكم الذي هو ثبوت الفعل حيث اشتمل التركيب على تحقيقه مرتين قوة ، وهذا في الإثبات واضح ، وأما في النفي كقولك : زيد ما أكل ، فيقال فيه : إن سلب الأكل المحكوم به يطلب المبتدأ ، وضميره يطلب الفعل ، وهو منفى فيصير الإسناد إلى المنفى ؛ فيحصل إسناد نفى الفعل مرتين ، فيلزم التقوى المذكور ، ولكن ما ذكر يقتضى أن المسند إلى المبتدأ هو نفس الفعل مثبتا أو منفيا ، لا مضمون تركيبه مع الضمير وهو نسبته له ، إذ لو كانت تلك النسبة هي المسندة إلى المبتدأ لم يحقق فيها الإسناد مرتين ، على أنه يمكن أن يقال فيها يتحقق ذلك فيها من حيث كون الضمير لذلك المبتدأ ، لكن ظاهر العبارة أن المسند الفعل خاصة ، وعلى هذا يختص التقوى بما يكون مسندا إلى ضمير المبتدأ ، ويخرج عنه نحو زيد ضربته ؛ لأن صرف الضمير إياه للمبتدأ ليس كما صرفه المبتدأ إلى نفسه ؛ لأن المبتدأ صرفه على أنه عمدة ، والضمير على أنه فضلة ، ولكن يرد أن يقال : مرادهم بالصرف هنا اقتضاء كل منهما لنسبته له نسبة ما ؛ ولذلك استثنوا الصرف الذي هو